حدث خطأ في هذه الأداة

د ر ا ســــــة ¦¦ الأبارتيد الصهيوني (ج 5) ¦¦

وفي عام 1946 شكلت الجمعية العامة للأمم المتحدة «اللجنة الخاصة لفحص المعلومات المنقولة وفقاً للمادة 73 من ميثاق المنظمة الدولية». وتحولت هذه اللجنة بتاريخ 8/1/1952 وبموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 569 إلى «لجنة المعلومات المتعلقة بالأقاليم غير المحكومة ذاتياً». وفي27/11/1953 تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 742 وتم بموجبه تحديد العناصر التي يتم بموجبها تقرير إذا كان الإقليم يتمتع بالحكم الذاتي أم لا. وقد شملت هذه العناصر مايلي:‏

1ـ ضرورة فحص حالة كل إقليم على حدة في ضوء ظروفه الخاصة.‏

2ـ صلاحية الصيغ الخاصة بالانتماء بين هذه الأقاليم والدول الاستعمارية أو أية دولة أخرى.‏

3ـ يعتبر الحصول على الاستقلال بمثابة حكم ذاتي.‏

4ـ المسؤولية الدولية للإقليم وتشمل علاقاته الخارجية وسياسته، وعضويته في الأمم المتحدة وعلاقاته مع الدول الأخرى الإقليمية والدولية.‏

وفي أثناء الفترة ما بين 1952 و1955 حصلت أربع دول على حكم ذاتي تعتبر كل واحدة منها نمودجاً خاصاً.‏

1ـ كندا وحصلت على حكم ذاتي من بريطانيا.‏

2ـ بورتوريكو حصلت على الحكم الذاتي من الولايات المتحدة بتاريخ 25/7/1952.‏

3ـ سورينام وحصلت على الحكم الذاتي من هولندا.‏

4ـ تونس حصلت على الحكم الذاتي (الاستقلال) من فرنسا بتاريخ 3/6/1955. (37)‏

وتجدر الإشارة إلى حقيقة هامة وهي غموض مفهوم الحكم الذاتي منذ ظهوره في وثائق الأمم المتحدة، ولا تتضمن تلك الوثائق أي تعريف شامل ودقيق للحكم الذاتي.‏

وبالمفهوم الإسرائيلي، يصبح الحكم الذاتي شديد الغموض لأنه لا يعدو كونه تجميلاً للاحتلال وتخلصاً من قبل المحتلين من الأعباء الإدارية لهذا الاحتلال، فيما تحافظ إسرائيل على سيطرتها الكاملة عسكرياً واقتصادياً وبالحد الأدنى من التكلفة، ومن الطبيعي أن تضع إسرائيل والولايات المتحدة كل الشروط التي تتكفل بتقييد أو بالأحرى، بانتقاص حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. (38)‏

فالحكم الذاتي، من وجهة نظر إسرائيل، هو الحل الإقليمي الوسط بين خيارات الضم واستمرار الوضع الراهن، أي تكريس الاحتلال، وتخلي إسرائيل عن السيطرة على الضفة الغربية وقطاع غزة لصالح أشكال الفيدرالية أو الكونفدرالية. وتميز الدراسات الإسرائيلية بين ثلاثة أنواع أو نماذج للحكم الذاتي:(39)‏

1ـ النموذج الذي ورد في اتفاقيات كامب ديفيد، وبالتفسير الإسرائيلي للنصوص التي اتسمت بالعمومية والغموض الشديدين ويلخص على النحو التالي:‏

إنه إدارة ذاتية Self- rule للسكان وليس للأرض، يستثنى منها اليهود الذين يعيشون في تلك المناطق فيما يتوقف بناء المستوطنات، وتحتفظ سلطات الاحتلال الإسرائيلية بمهام الأمن الداخلي والخارجي والسيطرة على المياه وأراضي الدولة والجمارك، وما عدا ذلك يخضع لسلطة الإدارة الذاتية. وتتجمع قوات الجيش الإسرائيلي في مناطق محددة للقيام بأعمال روتينية محددة تمليها مهام الأمن والقيام بأعمال الدفاع الأولية في مواجهة الهجوم. وتمتد فترة الإدارة الذاتية، ما بين ثلاثة وخمس سنوات يجري التفاوض بعدها على مستقبل المناطق المحتلة ويمكن حصر نقاط الاختلاف بين مصر وإسرائيل في النقاط الست التالية:‏

أ ـ مهمة مجلس الحكم الذاتي إدارية فقط وهو يتألف من 12 إلى 15 عضواً بينما طالبت مصر أن يضم 100 عضواً وأن تكون له صلاحيات تشريعية.‏

ب ـ إسرائيل تقول الحكم الذاتي للسكان وليس للأرض، بينما تطالب مصر بالحكم الذاتي الكامل.‏

ج ـ تبقى السيطرة بيد الحكم العسكري، وتحدد سلفاً صلاحيات مجلس الحكم الذاتي بينما طالبت مصر بإلغاء الحكم العسكري ونقل السلطة إلى مجلس الحكم الذاتي الذي تبقى صلاحياته بدون تحديد.‏

د ـ اقترحت إسرائيل سيطرة مشتركة على المياه وأراضي الدولة، وأن تحتفظ بالسيطرة على هجرة السكان العرب واليهود، واقترحت مصر إشراف مجلس الحكم الذاتي على مسألة الهجرة.‏

هـ ـ أخرجت إسرائيل سكان القدس الشرقية من دائرة الحكم الذاتي، بينما طالبت مصر بإشراكهم.‏

و ـ لإسرائيل حرية تحريك قواتها العسكرية في الضفة والقطاع، أما مصر فقد اشترطت موافقة الحكم الذاتي المسبقة على هذه التحركات العسكرية.‏

وترمي إسرائيل من خلال إصرارها على تفسير الحكم الذاتي بهذا الشكل، حتى ولو اختلفت مع شريكتها في الاتفاقية، مصر والولايات المتحدة، تحقيق عدة أهداف من أهمها:‏

* الإدعاء أن هذه هي التسوية الوحيدة المعترف بها دولياً للمسألة الفلسطينية.‏

* إضفاء الشرعية على الاحتلال المعترف بها دولياً للمسألة الفلسطينية.‏

* تستطيع إسرائيل أن تؤخر البحث في مصير المناطق المحتلة إلى أبعد أمد ممكن، وأن تعمل لتحسين صورة إسرائيل دولياً، وخصوصاً علاقاتها مع الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، وذلك بدون أن تتنازل عن أحلام إقامة إسرائيل الكبرى.‏

2ـ حكم ذاتي شامل، وهو يختلف عن النموذج السابق على النحو التالي:(40)‏

أ ـ إدارة ذاتية موسعة للفلسطينيين قد تتضمن نشيداً وطنياً وعلماً، بدون أية مقومات حقيقية للسيادة الوطنية.‏

ب ـ السيطرة على أراضي الدولة خارج نطاق مناطق تواجد قوات الجيش الإسرائيلي والمستوطنات.‏

ج ـ سيطرة مشتركة في مجالات المياه والجمارك والهجرة.‏

ـ تصبح اتفاقية الحكم الذاتي ذاتها مصدراً للسلطات.‏

ـ حكم ذاتي من طرف واحد، أي تقوم إسرائيل من تلقاء نفسها، وبدون التفاوض مع العرب، بسحب مؤسساتها الإدارية والخدمية من بعض المناطق، والسماح للفلسطينيين بإقامة مؤسساتهم الخاصة البديلة، بينما تحتفظ إسرائيل لنفسها بحق التدخل العسكري وإعادة الأمور إلى سابق عهدها إذا ارتأت أن هنالك إساءة استخدام صلاحيات في مناطق الحكم الذاتي. ومنذ ظهر مثل هذا المشروع إبان تسلم موشي دايان منصب وزير الخارجية، وكانت إسرائيل تهدف إلى إيجاد قيادة فلسطينية محلية فترضى التعاون مع الإسرائيليين، وفي الوقت نفسه تخفيف الاحتكاكات اليومية بين السكان وقوات الاحتلال، أي بكلمة أخرى تخفيف الأعباء العسكرية عن كاهل قوات الاحتلال. (41)‏

ملاحظات على النموذج الإسرائيلي للحكم الذاتي‏

1ـ يأخذ النموذج الإسرائيلي للحكم الذاتي في الاعتبار كل المتغيرات التي أحدثها الحكم الإسرائيلي في الطبيعة الجغرافية والتكوين البشري والوضع القانوني في الضفة الغربية وقطاع غزة وينسحب ذلك على السيادة على القدس وإقامة المستوطنات وتوسيعها، بل ويطالب اعتبارها حقائق ثابتة لا يجوز تجاوزها أو حتى الجدال حولها والمثال على ذلك:‏

أ ـ ضم القدس الشرقية يوم 28 حزيران 1967‏

لنستمع إلى ما ورد في خطاب مناحيم بيغن، رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، فور عودته من كامب ديفيد وتوقيعه اتفاقية كامب ديفيد مع السادات وجيمي كارتر. يقول بيغن حول وضع مدينة القدس.‏

«ينبغي أن أوضح أموراً أخرى، أولها ـ قضية القدس ـ في أحد أيام مؤتمر كامب ديفيد، عرض علينا إمكانية رفع علم إحدى الدول العربية فوق جبل الهيكل (المسجد الأقصى) فرفضنا وأنزلنا العلم قبل أن يرفع.‏

وفي اليوم التالي عرضت علي مسودة رسالة كانت سترسل إلي وللرئيس السادات بخصوص مكانة القدس، فأبلغنا المندوبين الأمريكيين أنه إذا ما بقيت الرسالة هكذا، وأرسلت إلينا ـ فنحن لن نوقع على أية اتفاقيات ولذلك تم إلغاء هذه الرسالة، وأرسلت لنا رسالة أخرى بدلاً عنها وأجبت عليها بالشكل التالي:‏

«سيدي الرئيس، يشرفني أن أبلغك بأنه في يوم 28 حزيران 1967، أصدر مجلس النواب الإسرائيلي قانوناً يقول: «يحق للحكومة أن تطبق القانون والإدارة المتبعين في الدولة على كل أراضي دولة إسرائيل. وبناءً على هذا القانون أصدرت حكومة إسرائيل أمراً في تموز 1967 بموجبه تعتبر القدس مدينة موحدة وغير قابلة للتقسيم، وعاصمة لإسرائيل».‏

وما كتبته للرئيس كارتر باسم دولة إسرائيل، هو الذي سيكون ساري المفعول والذي سنصر عليه: القدس عاصمة إلى الأبد، وغير مقسمة على مر الأجيال وإلى أبد الآبدين». (42)‏

وخلال عقدي الثمانينات والتسعينات اتسعت القدس وأصبحت تمتد من رام الله شمالاً حتى بيت لحم جنوباً ما يعني أكثر من 30% من مساحة الضفة الغربية وتعزل المستوطنات القدس عن الضفة الغربية. وخلال مؤتمر كامب ديفيد في تموز 2000 أصرت اسرائيل على ضرورة الإبقاء على ضم القدس واعتبارها حقيقة منتهية.‏

ب ـ المستوطنات:‏

وتطالب إسرائيل باعتبارها حقيقة لا يجوز أن تناقش، بل أكثر من ذلك، بينما كان بيغن وشمير يصران على زيادة المستوطنات وتوسيعها ومدها بالطاقة البشرية، طالب رابين بتدعيم الاستيطان الأمني، وطالب كل من نتنياهو وباراك وشارون باستمرار الاستيطان، بحجة الاستجابة لحاجات النمو الطبيعي للمستوطنين.‏

ج ـ الإصرار على تفسير نصوص المعاهدات:‏

ومن ضمنها معاهدة كامب ديفيد كما يحلو لها ـ ولو خالفت بذلك نصوصاً صريحة جداً لما ورد في اتفاقية كامب ديفيد بالحرف الواحد: ولتوفير حكم ذاتي كامل للسكان. إن الحكومة الإسرائيلية وإدارتها المدنية ستنسحبان بمجرد أن يتم انتخاب سلطة حكم ذاتي انتخاباً حراً، من قبل سكان هاتين المنطقتين لتحل محل الحكومة العسكرية الموجودة حالياً».(43) وبعد التوقيع على اتفاقية أوسلو وقيام السلطة الفلسطينية تصر حكومات إسرائيل على أن لا تكون الدولة الفلسطينية العتيدة، أكثر من شكل من أشكال الحكم الذاتي.‏

أما مناحيم بيغن، فهو يعطي لنفسه الحق بالتصرف مع أعضاء مجلس الحكم الذاتي كما يشاء، ففي كلمته أمام الكنيست الإسرائيلي قال:‏

«ولقد سئلت السؤال التالي: إذا ما تم انتخاب أحد المتعاطفين مع منظمة التحرير الفلسطينية كعضو في المجلس الإداري، فكيف ستعامله؟ فقلت رداً على ذلك: لينتخب ـ لينتخب، فنحن سنقول له عندئذ: إذا ما تصرفت بشكل صحيح فبإمكانك الجلوس في المجلس الإداري. ولكن لا تفكر أبداً بإلحاق الضرر بأحد في إسرائيل وإلا تخرق النظام، هذا هو الجواب الذي أعطيته، وأنا أصر عليه الآن. (44) وبعد مضي أكثر من عشرين عاماً من هذا الحديث، لا يكل قادة إسرائيل من المطالبة بأن تكون السلطة الفلسطينية وأجهزتها حراساً وخدمـاً لإسرائيل.‏

وفي وقت لاحق وجه مناحيم بيغن رسالة إلى الرئيس الأمريكي جيمي كارتر قال فيها:‏

«هل تعلم يا سيدي لما أصررنا بشدة على مجلس إداري؟ لأنه إذا قام هذا المجلس يوماً وادعى أنه سلطة الحكم الذاتي وأعلن ذلك وطلب اعتراف العالم به، فإن أعضاء هذا المجلس سيزج بهم في السجن. ببساطة سيعتقلون لأن مهمتهم هي إدارة شؤون الحكم الذاتي، لا تشكيل حكومة». (45)‏

0 تعليقات حول الموضوح:

إرسال تعليق