حدث خطأ في هذه الأداة

د ر ا ســــــة ¦¦ الأبارتيد الصهيوني (ج 4) ¦¦‏‏

ولقد بات قسم من المفكرين والكتاب اليهود والإسرائيليين لا يجادلون في حقيقة أن الفلسطينيين تعرضوا للإرهاب والطرد. يقول الكاتب الإسرائيلي حنا ارندت «سيكون لزاماً علينا ذات يوم أن نواجه حقيقة أن إسرائيل ليست بريئة ولا يمكن أن تحصل على الصفح... فبمجرد خلق إسرائيل ذاتها، وتوسعها، تسبب اليهود بخلق ما عانوا منه ذات يوم، شعب من اللاجئين ودياسبورا (شتات)». وبالتالي لا مجال للحديث عن سلام دائم وعادل دون الاعتراف بالحقوق العادلة والمشروعة للشعب الفلسطيني، وجوهرها أن الفلسطينيين، «وبضربة واحدة عام 1948، تحولوا من شعب على أرضه، إلى لاجئين فقدوا ممتلكاتهم، وبيوتهم ووسائل العيش، وحقوقهم المدنية والسياسية، والاقتصادية والثقافية التي يوفرها لهم قيام الدولة المستقلة. إن اللجوء يعني تشرد الفلسطينيين والمساس بإنسانيتهم»، وبناء عليه تعتبر العودة حقاً عادلاً ومشروعاً وممكناً وينسجم مع قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة ومنها القرار رقم 194 لعام 1948، يضاف إلى ذلك أن حرمان الفلسطينيين من حق العودة، يخالف الفقرة 12 من الميثاق العالمي لحقوق الإنسان المدنية والسياسية الصادر عام 1966 والذي ينص على أنه «لا يجوز أن يحرم أحد بالقوة من العودة إلى وطنه». وهو مخالف أيضاً للفقرة 13 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 الذي يؤكد أن لكل شخص الحق بالعودة إلى وطنه أو وطنها، وهو أيضاً مخالف للاتفاقية الأوروبية لحماية الحقوق الأساسية للإنسان، وخصوصاً الفقرة الثالثة من البروتوكول الرابع الذي يشدد على أنه من غير المسموح به حرمان أي شخص من حق العودة إلى الدولة التي كان أحد مواطنيها. وهو أيضاً مخالف للميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب الصادر بتاريخ 17 حزيران 1981 الذي يقضي بأن لكل شخص الحق بالعودة إلى بلده أو بلدها. وأخيراً إنه يتناقض مع الميثاق الأمريكي لحقوق الإنسان لعام 1969 الذي يقول إنه من غير المقبول طرد أي شخص من وطنه أو وطنها وحرمانه من العودة إليه.‏

إلى ذلك إن تطبيق حق العودة للاجئين الفلسطينيين ينسجم مع المصالح الحقيقية لكل الشعوب في المنطقة وفي العالم، وهو يساعد في تحرير اليهود من ذهنية أو سيشفيش، ويساهم في تحويل إسرائيل من دولة يهودية إلى دولة مواطنين، كما أن ازدواجية المعايير وسياسات القوة المتمثلة بإعطاء اليهودي الجنسية الإسرائيلية حالما تطأ قدمه أرض إسرائيل، وحرمان الفلسطيني من حق العودة، يؤدي إلى تقسيم البشر في المنطقة إلى فئتين، فئة تحترم حقوقها ومصالحها وتطلعاتها ويتم حمايتها بكل الوسائل، وفئة أخرى تقرر مصائرهم وحقوقهم استناداً إلى مصالح غيرهم. وهذه عنصرية مفضوحة... إنها أبارتـيــد.‏

ومنذ مؤتمر مدريد عام 1991، وتوقيع اتفاقية أوسلو في 13 أيلول 1993، يتزايد ازدراء إسرائيل وتحديها لقرارات الشرعية الدولية، ومن ضمنها قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي المتعلقة باللاجئين، وفي الوقت نفسه، وتحت شعار تهويد القدس، وخلال ما يعرف بالحرب على بطاقات الهوية للمقدسيين، تتخذ السلطات الإسرائيلية كل الإجراءات الممكنة لتجريد الفلسطينيين في القدس الشرقية من بطاقات الهوية، ومن ثم يجري طردهم إلى أماكن أخرى، أي يتحولون إلى لاجئين، وهذا نوع أخر من الأبارتـيــد يفرض على الإنسان الفلسطيني، لا مثيل له في أي مكان أخر في العالم. (31)‏

ب ـ الفلسطينيون في إسرائيل:‏

عام 1948 حدثت النكبة، طرد نحو 85% من الشعب الفلسطيني خارج الوطن، وتحول نحو 22% من أراضي فلسطين إلى مناطق تابعة لكل من الأردن ومصر، وسيطرت إسرائيل على 78% من الوطن الفلسطيني، وكأي كيان استيطاني في العالم، سارع الكيان الاستيطاني الصهيوني إلى ممارسة سيادته وتنفيذ مصالحه ورغباته، بل وأحقاده العنصرية القديمة والجديدة في إطار القانون، وليس خارجه.‏

ومباشرة بعد انتهاء الانتداب البريطاني في أيار 1948، واستكمال عمليات طرد الفلسطينيين في أواخر تشرين الأول 1948 ظهرت في إسرائيل مؤشرات ذات دلالة.‏

* البروز الضخم للجهاز القانوني الإداري وهذا يشمل تضخيم أجهزة البوليس والمخابرات والجيش والسجون، واستخدام هذا الجهاز بشكل تعسفي جداً ضد الفلسطينيين لتكريس سياسات الإكراه.‏

* تطور أجهزة فرض القانون إلى درجة قوية جداً، بحيث تجعل من الإرهاب والعنف «غير القانوني» نادراً جداً. بل إن القوانين الموجودة في إسرائيل تمكن، من الناحية النظرية تقديم أي شخص يخالف القانون، أو يعتدي على غيره سواء كان عربياً أم غير ذلك للمحاكمة. أخذين إن كل عمليات التمييز والقهر والإكراه التي تنسجم مع السياسات العامة للصهيونية أدخلت ضمن القوانين وباتت شرعية.‏

* السعي دائماً لتقليد «لعبة العدالة» المعروفة في القانون البريطانية التي تجعل الجماعة الاستيطانية الصهيونية تظهر بمظهر ديمقراطي. مثلاً، عندما اندلعت انتفاضة الأقصى في أيلول 2000، شهدت مدينة الناصرة وغيرها من المدن والقرى العربية في الجليل مسيرات مؤيدة وتضامنية، استخدمت الشرطة ضدها الرصاص الحي والقناصة مما أدى إلى استشهاد 13 فلسطينياً، ولخداع الرأي العام الداخلي والخارجي سارعت الحكومة الإسرائيلية إلى تشكيل لجنة تحقيق برئاسة قاضٍ. ويستدل من كل الوقائع، أن الحكومة الإسرائيلية غير جادة في وصول اللجنة إلى أية نتائج، رغم وجود دلائل تدين قائد لواء شرطة الشمال الجنرال أريك رون، واحد ضباطه الذي كلف عناصره بإطلاق النار على قوات الشرطة الإسرائيلية لتبرير رد الأخيرة بإطلاق النار بقصد القتل واستخدام القناصة في أماكن متعددة.‏

وفي 29/10/1956، ارتكبت قوات الجيش الإسرائيلي مجزرة كفر قاسم، وقدم قائد الوحدة العسكرية وهو برتبة ملازم أول وعناصر وحدته للمحاكمة، وأصدرت المحكمة العسكرية حكمها الشهير بتغريم الجنود مبلغ 1/2 أغورة لكل عربي قتل. (32)‏

وبعيداً عن هذه «اللعبة العادلة» أو المظهر الديمقراطي المخادع، يعيش الفلسطيني في إسرائيل، كما هو معروف في ظل قوانين وجدت لتكرس التمييز العنصري ضده في مجالات: العودة، الجنسية، الأرض...الخ، وبالتالي تشرعن الأبارتـيــد، وسنناقش هذه القوانين بالتفصيل في الفصل الثالث.‏

ومن جهة أخرى، استخدمت إسرائيل كل الوسائل «القانونية» وأساليب الإكراه للاستيلاء على الأراضي الفلسطينية من خلال المصادرة لأغراض الاستيطان أو الأمن أو الطرق الالتفافية، أو توسيع المستوطنات القائمة، أو إيجاد محميات طبيعية، مما جعل التجمعات الفلسطينية تتحول إلى معازل، وسنحاول إلقاء الضوء على هذه الناحية في الفصل الرابع.‏

وأخيراً، تستخدم اللعبة العادلة في تبرير هدم منازل الفلسطينيين، سواء داخل الخط الأخضر، أو في المناطق المحتلة عام 1967، وخصوصاً في المنطقة الخاضعة للسيطرة الأمنية الإسرائيلية الكاملة. ومن المعروف أن إسرائيل ترفض، أو تضع عراقيل كبيرة جداً قبل إعطاء تراخيص بناء للعرب، ومن يبني بيتا بلا رخصة يجد نفسه مضطراً لدفع غرامات باهظة وتكاليف هدم منزله.‏

ج ـ الأراضي المحتلة عام 1967:‏

عندما احتلت إسرائيل الضفة الغربية وقطاع غزة، وإمعاناً بالتمسك، باعتبارها أرضاً خالية أو شبه خالية، أطلقت عليها عبارة الأراضي المدارة Administered Territories، وبدلاً من اسم الضفة الغربية تستخدم إسرائيل اسمي يهودا والسامرة، وأخيراً فصلت القدس عن الضفة الغربية.‏

أما السكان فقد وجدوا أنفسهم يخضعون لمشيئة الحاكم العسكري الذي يتحكم بكل التفاصيل اليومية العامة والخاصة، من أراضٍ ومدارس ومياه، وزراعة، ومحاكم، ومشافٍ، وتجارة...الخ، ولا يجوز الاعتراض على أوامره، والناس يقدمون إلى محاكم عسكرية أحكامها تصل في عدد من الأحيان إلى أكثر من مئة سنة.‏

وخلافاً لاتفاقيات جنيف، خصوصاً اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، التي تمنع قوات الاحتلال من نقل السكان إلى المناطق المحتلة، يندفع المستوطنون، بحماية قوات الجيش وحرس الحدود للاستيطان في الضفة الغربية وقطاع غزة، وبالتالي تتقابل شريحتان أو فئتان من البشر، إحداهما تتمتع بكل الحقوق، بما فيها حق الاعتداء على الأخرين وسلب أملاكهم، وتدميرها، والاعتداء على أرواحهم، ومصادرة ثرواتهم الطبيعية، وفئة أخرى تعتبر جماعة من الغرباء تعيش على أرضها بشكل دائم، ولا تختلف نظرة الاحتلال إلى الفلسطيني ومعاملته القاسية جداً للفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1967، عن معاملة حكومة بريتوريا العنصرية للسود الأفارقة، قبل سقوط نظام الأبارتـيــد.‏

وإذا كانت الأخيرة أنشأت المعازل Bantustans وأجبرت السود الأفارقة على العيش فيها، فقد سعت إسرائيل، من خلال الاستيطان والطرق الالتفافية إلى خلق هذه المعازل، وسنناقش هذه القضية بالتفصيل في الفصل الرابع.‏

ومن جهة أخرى، ومثلما سعت جنوب إفريقيا إلى استخدام الحكم الذاتي للمعازل كوسيلة للتخلص من السكان الأفارقة، فرض الفصل العنصري، وتكريس مبدأ التطور المنفصل للمعازل السوداء عن جنوب إفريقيا، مع بقاء إمكانية استغلالها في كل المجالات، لجأت إسرائيل إلى الحكم الذاتي لإعادة إنتاج الاحتلال بتكاليف أقل، وباعتراف ودعم دوليين، مقابل إعطاء الفلسطينيين مهمة القيام بالأعمال القذرة خدمة للاحتلال.‏

ولو عدنا إلى الوراء قليلاً، إلى بداية جلسات المفاوضات في الجولة السادسة في واشنطن اعتباراً من 23/8/1992، قدمت إسرائيل مشروعها للحكم الذاتي الذي جاء في ثلاثين صفحة وكان متخلفاً عما ورد في اتفاقيات كامب ديفيد، وهو يستهدف بالدرجة الأولى «ضرب علاقة الإنسان الفلسطيني بأرضه» ويجرد الفلسطينيين، حسب أقوال ميرون بنفنيستي، مدير مركز المعلومات حول الضفة الغربية، «من حقين أساسيين يتيحان تنمية الأراضي المحتلة وحرية امتلاك الأراضي». ولا يغيب عن أذهاننا أن الكاتب الإسرائيلي يتجاهل عمداً حق السيادة والسيطرة باعتباره جزءاً لا يتجزأ من حق تقرير المصير،(33) علماً أن اتفاقية كامب ديفيد تناولت قضية الحكم الذاتي بصيغ عامة وفضفاضة. وهذا ما يؤكده المصريون باعتبارهم الطرف الآخر في اتفاقيات كامب ديفيد. يقول د. مفيد شهاب، رئيس لجنة العلاقات الخارجية والشؤون العربية في مجلس الشورى المصري، وعضو الوفد المصري في مباحثات الحكم الذاتي: «إن اتفاقيات كامب ديفيد لم تتضمن صورة محددة للحكم الذاتي، بل كلاماً عاماً، أما التفاصيل الإدارية والنيابية، فلم يتم التطرق إليها، ولم تشر إلى حق تقرير المصير للفلسطينيين».(34)وذكرت فقط مشاركة الفلسطينيين في تحديد مستقبلهم. ويلقي السفير المصري طاهر شاس ـ مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، وعضو الوفد المصري لمباحثات الحكم الذاتي، والمستشار لاحقاً لدى الوفد الفلسطيني في مفاوضات واشنطن ـ الضوء على مسألة غاية في الأهمية وهي إن أحكام كامب ديفيد قد اتسمت بالغموض، الأمر الذي أدى إلى تمسك كل من الطرفين، المصري والإسرائيلي، بمواقفه مما أدى إلى فشل المفاوضات. (35)‏

الحكم الذاتي: مفاهيم عامة‏

إن الحكم الذاتي شكل منقوص من أشكال السيادة أو حق تقرير المصير بحيث (يمارس الشعب الواقع في ظل الحكم الذاتي سيادته الوطنية كاملة. وهو يمنح عادة للأقليات الدينية والقومية والعرقية. وقد اختلفت سلطات الحكم الذاتي من حيث مدى السلطة في إصدار التشريعات، وتسيير الأمور الداخلية، لكن صلاحياتها كانت معدومة في مجالات الشؤون الخارجية والدفاع).‏

ويمنح الحكم الذاتي لجزء من مواطني دولة ما، لكنهم يعتبرون جزءاً لا يتجزأ من تلك الدولة، يتوارثون مع سكانها حق ممارسة السيطرة على الأرض وما عليها، وتظل الفئة الخاضعة للحكم الذاتي محتفظة بانتمائها للدولة الأم ويحملون جنسيتها. (36)‏

ولا يعتبر الحكم الذاتي بديلاً لحق تقرير المصير أو معادلاً له، ولا يحق لأية دولة محتلة أن تفرض على الدول الخاضعة للاحتلال حكماً ذاتياً. كما أن الاحتلال مهما طال وتجذر لا يمكنه إذابة الخواص الحضارية والثقافية والإنسانية والعقائدية التي تميز شعباً عن آخر أو أن تلغي الشرعية الوطنية للشعب الواقع تحت الاحتلال.‏

وقد ارتبط مفهوم الحكم الذاتي ببدء مرحلة تصفية الاستعمار بعد الحرب العالمية الثانية أي ما بين 1945 و1955، وقبل ذلك وردت الإشارة إليه في ميثاق حلف الأطلسي الموقع بتاريخ 14/8/1941 ومسودة ميثاق الأمم المتحدة التي أعدتها بريطانيا والولايات المتحدة عام 1943، وتضمنت المادة 73 من الفصل الحادي عشر من ميثاق الأمم المتحدة الصادر عام 1945 الإشارة إلى الأقاليم الخاضعة للحكم الذاتي، وظهر داخل الأمم المتحدة تياران:‏

1ـ الأول ومثلته الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا واعتبرت الحكم الذاتي شكلاً من أشكال الحكم وبديلاً عن السيادة الوطنية والاستقلال.‏

2ـ التيار الثاني ومثلته مصر والهند وبعض الدول التي شكلت فيما بعد نواة دول العالم الثالث وكتلة عدم الانحياز، واعتبرت هذه الدول الحكم الذاتي خطوة أولى على طريق تصفية الاستعمار ومنح المستعمرات حقها في الاستقلال والسيادة الوطنية.‏

0 تعليقات حول الموضوح:

إرسال تعليق